قمع تحت أستار الكعبة.. لماذا تمنع السلطات السعودية الحجاج من الدعاء لغزة؟

داود علي | a month ago

12

طباعة

مشاركة

تتوافد قوافل الحجاج من جميع أنحاء العالم إلى الأراضي المقدسة بالسعودية لأداء فريضة الحج للعام 2024 (1445 ميلاديا)، في حين يحرم العدوان الإسرائيلي حجاج غزة من أداء هذه الفريضة.

لكن هناك منع من نوع آخر طال الحجيج هذا العام، وهو حظر السلطات السعودية لجميع أشكال التضامن والتعاطف مع غزة، سواء بالدعاء الجهري أو من خلال خطب ومواعظ الدعاة، كما هددت الحجيج بالترحيل أو الاعتقال حال رفع علم فلسطين أو أي شعار يدعم غزة. 

تحذيرات الربيعة

وفي 9 يونيو/ حزيران 2024، وقبل أيام قليلة من يوم "عرفة"، نشرت واحدة من الحجيج، تدعى "دينا حسين" صورة لها داخل الحرم المكي وهي مرتدية الكوفية الفلسطينية المشهورة على هيئة حجاب، وقالت: "مين (من) كانت لابسة (ترتدي) طرحة (حجاب) وكانت هتترحل بسببها.. بس (لكن) ربنا كريم و سابوني بتوع القوات الخاصة المنتشرين بالحرم".

وفي 6 يونيو/ حزيران 2024، حذر وزير الحج السعودي، توفيق الربيعة، أن الحج  ليس للشعارات السياسية، وذلك في كلمة له نقلتها قناة "الإخبارية" المحلية الرسمية.

وقال الربيعة في كلمته: "لا مكان للشعارات سياسية، وهذا ما تعمل عليه قيادة المملكة حفظها الله، حتى يكون الحج بأعلى مظاهر الخشوع والطمأنينة".

ولاقى الربيعة بعدها عاصفة من التغريدات الغاضبة، منها الناشط أحمد فتحي الذي غرد: "الأقصى شعارات سياسية! لا ترفع علم فلسطين! على الأقل أقل القليل دع الناس تدعوا جماعيا للأقصى ضد من سفك الدم في الأقصى ذاته لسنين وسنين". 

وأضاف حساب باسم علاء السيد: "غزة أصبحت شعارات سياسية! لا حول و لا قوة الا بالله". 

وأوردت حنان البطاينة: "مشايخ السلاطين.. قتل الناس في فلسطين والسودان ليس خبرا سياسيا، اقتحامات الصهاينة للمسجد الأقصى ليس موضوعا سياسيا، هذا موضوع إسلامي وإنساني".

الموقف السعودي 

وما أعلنه وزير الحج ربيعة وما يحدث للحجيج في المملكة، يمضي في سياق الموقف السعودي من المتضامنين مع غزة الذي ما زال يبعث بتساؤلات عن ما يجري خلف الكواليس.

ولماذا اتخذت الرياض هذا الموقف "الشرس" ضد من يعلن التعاطف والدعم للقطاع المنكوب الذي يتعرض للإبادة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وفي 7 ديسمبر/ كانون الأول 2023، أعلن حساب "معتقلي الرأي" الخاص بتتبع المعتقلين داخل المملكة، تأكد اعتقال السلطات السعودية للمواطن المصري "عبدالرحمن محمد عبدالرحيم".

وهو المشهور على منصة التواصل الاجتماعي "تيك توك" باسم "زلزال الصعيد"، حيث جرى الاعتقال في أكتوبر 2023 بمكة المكرمة عند تواجده لأداء مناسك العمرة برفقة والدته.

وكان السبب الرئيسي لاعتقاله نشره فيديوهات تتضمن محتوى يدعم القضية الفلسطينية والمدنيين في غزة.

ورغم أن المواطن المصري أفرج عنه لاحقا في 25 أبريل/ نيسان 2024، لكن تظل قصته معبرة عن ما يحدث مع زوار بيت الله سواء في الحج أو العمرة، إذا ما قرروا دعم غزة.

اعتقالات بالجملة 

ونشرت "وكالة الأنباء الفرنسية" تقريرا في 13 أكتوبر 2023، بعد أيام قليلة من بداية العدوان الإسرائيلي على غزة، أوردت فيه أن مراسلها شاهد عناصر من الأمن السعودي وهم يقيدون يدي مصل هتف خلال صلاة الجمعة بالمدينة المنورة متوجها إلى الإمام: "تكلم عن فلسطين.. غزة تحت القصف".

وحسب الوكالة، فإنه جرى نشر سيارات شرطة أمام مساجد أخرى في المدينة لتتبع أي محاولة لإظهار الدعم أو خرق الصمت المفروض من قبل الأجهزة الأمنية. 

وفي 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، رصد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، اعتقال السلطات السعودية عددا من زوار الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وذلك على خلفية إعلانهم التضامن مع غزة بما في ذلك ارتداء الكوفية.

وأشار المرصد إلى احتجاز أجهزة الأمن للممثل والمخرج البريطاني المسلم، إصلاح عبدالرحمن، بسبب ارتداء الكوفية في مكة، والتحقيق معه دون سند قانوني.

أما المظهر المثير للاستغراب والاستهجان في آن واحد، هو إقدام الشرطة السعودية على احتجاز من يقومون بالدعاء العلني لأهل غزة. 

ففي 11 نوفمبر 2023 تم اعتقال معتمر جزائري داخل المسجد النبوي بتهمة الدعاء جهرة لغزة. 

وظهر المعتمر الجزائري في مقطع فيديو خاص على حسابه بموقع "تيك توك" وذلك بعد عودته إلى بلاده، وقال “إنه يفتخر بكونه جزائريا”، مضيفا: "أتشرف كامل الشرف أنني احتجزت في مدينة رسول الله لأكثر من 6 ساعات بسبب الدعاء لإخواني في فلسطين".

وأوضح أنه اغتنم فرصة أدائه مناسك العمرة في الدعاء للفلسطينيين المستضعفين في ظل المجازر التي يرتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي، مستنكرا أن تعتبر بلاد الحرمين هذا الأمر "إجراما".

وعلقت صحيفة "الوطن" المعارضة المختصة بالشؤون الخليجية: "نؤكد أن ما تفعله السلطات السعودية من تكميم للأفواه ضد الزوار والمعتمرين، يعد انتهاكا صارخا لجميع معايير حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، ونطالبها بتوفير أجواء آمنة لزوار الحرمين الشريفين". 

غضب ابن سلمان 

ومع ذلك لا يمكن فصل تلك السياسة المتشددة تجاه الحجاج والمعتمرين عن استراتيجية ومشروع ولي العهد محمد بن سلمان، الرامي إلى التطبيع مع إسرائيل. 

ففي 27 أكتوبر 2023، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، أن "أعضاء مجلس الشيوخ، قالوا إنهم غادروا الرياض مع انطباع بأن السعوديين ما زالوا يرغبون في الاعتراف بإسرائيل عندما تأتي اللحظة المناسبة".

وأوردت الصحيفة على لسان السيناتور ليندسي غراهام قوله إن "ابن سلمان تحدث خلال لقائه مع أعضاء مجلس الشيوخ بلهجة متشائمة وغاضبة من هجوم حمـاس في 7 أكتوبر".

وأضاف غراهام أنه "فهم من كلام ولي العهد أنه عد ذلك عملا إرهابيا وأنه يرغب في رد مدروس لا يتحول إلى صراع أطول وأعمق، أي القضاء علي حماس بهدوء".

وشدد على هذا أيضا غاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في حواره مع قناة "فوكس نيوز" الأميركية في 30 أكتوبر، حيث صرح قائلا: "عدت للتو من السعودية، هم يؤيدون رؤية إسرائيل لتنجز المهمة للتأكد من القضاء على حماس".

يذكر أنه قبل "طوفان الأقصى" بأيام وتحديدا في 21 سبتمبر/ أيلول 2023، خرج ابن سلمان في مقابلة مع شبكة "فوكس نيوز" الأميركية وأدلى بأول تعليق علني له بشأن المحادثات مع إسرائيل.

وقال ولي العهد السعودي، إن المفاوضين يقتربون من التوصل إلى "اتفاق تاريخي"، وصفه بأنه "الأكبر منذ الحرب الباردة".

وكان ابن سلمان يعلل صفقة تطبيعه بأنه سينتزع حلا للفلسطينيين، ولن يتنازل عن حقوق قضيتهم.

لكن جاء “طوفان الأقصى”، ليدفن مبدئيا الشكل الذي كانت ستنتجه صفقة تطبيع الرياض وتل أبيب، وتبرز تساؤلات عن إمكانية أن تستمر بمفردات جديدة أم تنتهي بلا دعوة.

ولا شك أن ما أحدثته المقاومة الفلسطينية، عصف بمشروع ولي العهد، كوسيط محتمل قادر على أن يغير في معادلة الصراع، وربما تسبب ذلك في تململه ونظامه من الحالة برمتها.

خذلان عظيم 

ووصف أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، الدكتور محمد أبو زيد، ما يحدث من حكومات الدول الإسلامية عموما بشأن غزة بـ"الخذلان العظيم" الذي يستوجب غضب الرب وعقابه. 

وقال  أبو زيد، لـ"الاستقلال"، إن "الدين الإسلامي وشرعنا الحنيف حث كل مسلم على نصرة أخيه ظالما أو مظلوما، ظالما بدفع الظلم عنه، ومظلوما بمساندته والدفاع عنه حتى ترفع معاناته وتنتهي مظلمته". 

وشدد على أن “ما يحدث في الحج وخلال أداء الشعائر الإسلامية من قبل السلطات السعودية، لا يقبله شرع ولا يمكن لعالم مخلص من علماء المسلمين أن يقره”. 

واستطرد: "فاليوم وفي ظل العدوان الذي يحصد آلاف الأرواح من المسلمين في غزة بمن فيهم الأطفال والنساء، صار الدعاء أضعف الإيمان، فما بالك إذا منعنا أضعف الإيمان من كلمات ودعاء وشعارات لن تغنيهم من جوع، ولكنها على الأقل تمثل دعما وحجة قد نلقى بها الله". 

وقال  أبو زيد: "يجب أن نذكر بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسريهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)، والمقصود بـ (وهم) هو الجمع أي أن المسلمين يد واحدة على عدوهم". 

وأضاف: "لقد ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه بنصرة (بنو خزاعة) لما نقضت قريش عهدها معه واستباحت حماهم، فقال النبي (لا نصرت إن لم أنصر بني كعب أي خزاعة) وهب رسول الله وصحابته لفتح مكة بعدها، ولننظر إلى كلمة (لا نصرت) وكأنها رسالة عبر الأجيال لكل من خذل مسلما ولم ينصره". 

وأتبع أبو زيد: "كان يجب أن يكون شعار الحج هذا العام (لا نصرنا إن لم ننصر غزة)، كان يجب أن يكون كل الدعاء وخطبة عرفة وما بعدها لغزة، فلا يمكن أن تكون غزة شعار سياسي عابر يتم التعامل معه بهذه الطريقة". 

وبعث الداعية المصري برسالة للحجيج: "اجعلوا لغزة النصيب الأكبر من الدعاء، عسى الله أن يفرج عنها وعنا ما نحن فيه من هوان ووهن وظلم".