"تطهير طائفي".. هكذا تدير القوى الشيعية وزارة التعليم العالي بالعراق

"الجامعات العراقية كانت حاضنة الثورة لكن جرى تسليمها إلى المليشيات الموالية لإيران"
طيلة المدة التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، كانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، نموذجا صارخا للسعار الطائفي في البلاد، ومازالت حتى الآن تظهر القرارات الإدارية الممارسات الطائفية للمسؤولين الشيعة الذين تولوا قيادتها.
ومنذ عام 2010 عُدت وزارة التعليم العالي العراقية من أبرز الوزارات التي يحرص المكوّن الشيعي على حيازتها، لكن التطهير الطائفي سبق هذه المرحلة بسنوات، كون مؤسساتها لم تكن بعيدة عن الحرب الطائفية التي اندلعت في البلاد من عام 2006 إلى 2008.
كيل بمكيالين
في آخر إجراء اتخذه وزير التعليم العالي في العراق، نعيم العبودي، وعدّه ناشطون بأنه طائفي بامتياز وكيل بمكيالين، كان قرار "عزل" أستاذ جامعي في إحدى الجامعات العراقية من الوظيفة، الأمر الذي يمنع توليه أي وظيفة حكومية في المستقبل، وليس مقتصرا على وزارة التعليم.
قرر وزير التعليم العالي في 17 مارس/ آذار 2025، عزل عضو هيئة تدريس في الجامعة العراقية ببغداد، عمر ضياء عباس، وذلك لـ"مخالفته واجبات وظيفته المتمثلة بالمحافظة على كرامة الوظيفة العامة والابتعاد عن كل ما من شأنه المساس بالاحترام".
كما أشارت الوثيقة إلى "تطرق عباس إلى أمور تثير النعرات الطائفية وتأجيج الفتنة، ما يجعل بقاءه في خدمة الدولة مضرا بالمصلحة العامة"، في إشارة إلى تعليقاته على "فيسبوك".
وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي تعليقا منسوبا لحساب يدعى "عمر ضياء الطائي الحنفي"، بخصوص الأحداث في الساحل السوري، هاجم فيه نظام بشار الأسد وفلوله، ودعا للثأر لـ"أهل السنة والجماعة"، ممن حكموا البلاد خمسين عاما، على حد وصفه.
وبحسب مصدر خاص من الجامعة العراقية، تحدث لـ"الاستقلال"، طالبا عدم الكشف عن هويته، فإن "رئيس الجامعة الحالي علي صالح الجبوري هو من طلب من عمداء الكليات في اجتماع لمجلس الجامعة، بتقديم معلومات عن عباس، وإلى أي كلية ينتمي، لإرسال كتاب إلى وزير التعليم بخصوص التعليق الذي كتبه على فيسبوك".
وأوضح المصدر أن "رئيس الجامعة لم يرسل لعباس ويوبخه أو يعاقبه داخليا ويطلب منه شطب تعليقه إذا كان فيه مشكلة قد تسبب له عقوبة، لكنه فضّل إرسال شكوى مباشرة به إلى الوزارة، الأمر الذي يعد تصرفا غير مسؤول كان الغرض منه التقرب إلى الوزير".
وأشار إلى أن "وزارة التعليم تعاملت بازدواجية مع عباس؛ لأنها سبق أن وقفت مكتوفة الأيدي حيال مدرّس آخر شيعي من جامعة ديالى تطاول على أم المؤمنين زوجة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) عائشة بنت أبي بكر، والصحابي عمر بن الخطاب، ولم تُقدم على عزله من الوظيفة".
وأكد المصدر أن "المدرس الذي تطاول على السيدة عائشة نُقل إلى الجامعة العراقية في بغداد، وعدت هذه عقوبة بحقه، لكن رئيس الجامعة علي صالح الجبوري، أسند إليه أحد المناصب الإدارية المهمة لديه، وهذا دليل آخر على أن الأخير يتزلف بقرارته للوزارة للحفاظ على منصبه أو ما شاكل".
وفي عام 2013 خرج المئات من طلبة جامعة ديالى بتظاهرة احتجاجا على تطاول عباس حكمت فرمان، معاون عميد كلية القانون والعلوم السياسية، على عائشة بنت أبي بكر الصديق زوجة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك تجاوزه على الصحابي عمر بن الخطاب، في أسئلة الامتحان.
لكن وزارة التعليم لم تتخذ أي إجراء بحق عباس حكمت فرمان، وإنما تُرك القرار للجامعة نفسها التي قررت تنحيته من منصبه، ونقله إلى خارج الجامعة، وفقا لقانون "انضباط موظفي الدولة".
سياسة ممنهجة
منذ توليه منصبه في عام 2022، يحاول وزير التعليم العالي والبحث العلمي، نعيم العبودي، فرض سياساته الطائفية في مناهج الكليات الشرعية، لا سيما تلك التي تتعلق بأصول الدين، بعد منع الترضي عن صحابة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أقوال وأسماء عدد من العلماء.
تولي العبودي حقيبة التعليم العالي أثار جدلا واسعا في الأوساط الشعبية والأكاديمية العراقية، لكونه قبل ذلك قياديا ومتحدثا باسم مليشيا "عصائب أهل الحق" الشيعية الموالية لإيران، التي يرأسها قيس الخزعلي والمدرجة على لوائح الإرهاب الأميركية.
ففي سابقة لم تحصل ممن تولى إدارة الوزارة قبله من السياسيين الشيعة في مرحلة ما بعد عام 2003، أقدم العبودي على إلزام اللجنة العلمية في التعليم العالي على تضمين كتب مراجع شيعة في المناهج الدراسية، وتحديدا محمد باقر الصدر، ومحمد محمد صادق الصدر.
فرض العبودي مفردات من كتابي (فقه الأخلاق) و(الأسرة في الإسلام) للمرجع الشيعي، محمد محمد صادق الصدر، ضمن مناهج الدراسات الأولية الجامعية (البكالوريوس)".
ومحمد محمد صادق الصدر لقي مصرعه مع نجليه مؤمل ومرتضى، بهجوم مسلح استهدف سيارتهم في مدينة النجف عام 1999، وهو والد زعيم التيار الصدري الحالي، مقتدى، الذي يتهم باستمرار السلطات الأمنية العراقية في عهد صدام حسين بالوقوف وراء عملية الاغتيال.
وفي السياق ذاته، فرض العبودي، مفردات أخرى من "كتابي (دروس في علم الأصول) و(المدرسة الإسلامية) للمرجع الشيعي، محمد باقر الصدر، الذي أعدمته السلطات العراقية في ثمانينيات القرن العشرين".
ومحمد باقر الصدر أعدم بتهمة التخابر مع إيران في أبريل/نيسان عام 1980، وذلك قبل ستة أشهر فقط من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، والتي استمرت حتى عام 1988، وهو مؤسس حزب "الدعوة الإسلامية" الشيعي في العراق، ونجله جعفر هو سفير بغداد الحالي في لندن.
وفي الدراسات العليا (ماجستير، ودكتوراه)، زج وزير التعليم مفردات تعليمية من "كتابي (ما وراء الفقه) و(منة المنان) للمرجع الشيعي محمد محمد صادق الصدر".
وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، المصادقة على أبحاث وكتب المرجعين الدينيين (الشيعيين) محمد باقر الصدر ومحمد صادق الصدر كمقررات جامعية، بعد توصيات من لجنة "إثراء المناهج الدراسية بمصادر وكتب مؤلفين ومفكرين عراقيين".
وتعليقا على ذلك، قال متحدث وزارة التعليم العالي حيدر العبودي، إن "قرار وزير التعليم العالي نعيم العبودي إدراج مؤلفات محمد باقر الصدر ومحمد محمد صادق الصدر في الدراسات الجامعية يأتي لترسيخ الدور المرجعي والحوزوي في الدراسات الأكاديمية"، حسبما نقل موقع "العهد" الإخباري العراقي في أكتوبر 2023.
ويجمع نعيم العبودي حاليا بين منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة العراقية، ورئيس الهيئة السياسية لمليشيا "عصائب أهل الحق"، التي تأسست عام 2006 برعاية الحرس الثوري الإيراني.
وبرزت المليشيا خلال قتالها إلى جانب رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد خلال مرحلة الثورة السورية في 2011، بحجة الدفاع عن المراقد "المقدسة"، وكانوا يطلقون على أنفسهم "إخوة زينب" في إشارة إلى مرقد السيدة زينب في العاصمة دمشق.
كما ظهرت "العصائب" بقوة في المعارك ضد تنظيم "الدولة" في العراق عام 2014 إلى 2017، والتي بدأت منذ بدايتها تسترعي الانتباه الدولي بسبب جرائمها الطائفية الوحشية.
وفي إحاطة نظمت في أكتوبر 2014 بعد أشهر قليلة من سيطرة تنظيم الدولة على الموصل، اتهمت منظمة العفو الدولية "عصائب أهل الحق" بخطف وقتل عشرات المدنيين السُنة، وذلك في رد انتقامي مزعوم على الهجمات التي نفذها التنظيم.
ونفذت المليشيا أيضا عدة عمليات خطف، لا سيما بين عامي 2015 و2017، وقتلت بعض الأسرى، حتى بعد دفع عائلات هؤلاء فدى بقيمة 80 ألف دولار وأكثر لضمان إطلاق سراحهم.

تجيير وتطهير
على مدى عامين من تشكيل الحكومة العراقية الحالية برئاسة محمد شياع السوداني، جرى "بيع" وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى إيران، وذلك حسب تصريح أدلى به النائب العراقي، سجاد سالم، خلال مؤتمر ببغداد أقامه "المرصد العراقي لحقوق الإنسان" في 21 يوليو/ تموز 2024.
وقال رئيس تحالف "قيم" المدني: إن "العراق في الوقت الحالي ومع هيمنة إيران عليه كليا، يعيش مرحلة الثورة المضادة (للاحتجاجات الشعبية في أكتوبر 2019)، والتي استهدفت كل رؤى وطموحات التغيير، وركزت بشكل أساسي على الجامعات العراقية".
وأوضح سالم، وهو نائب شيعي، أن "الجامعات العراقية كانت حاضنة الثورة (احتجاجات أكتوبر) عام 2019، لكن جرى تسليمها إلى المليشيات والتي باعتها بالجملة لإيران"، في إشارة إلى تسمية القيادي في مليشيا "عصائب أهل الحق" نعيم العبودي وزيرا للتعلم العالي.
وشدد النائب على أن "وسائل وآليات النظام الحالي في العراق لتحقيق العدالة باتت معدومة، وذلك بعد الهيمنة الإيرانية الكبيرة على البلاد، وعليه فلا بد أن يكون الجهد الدولي حاضرا في التحقيق والمحاكمة، وبدونه لا عدالة ولا عقاب في العراق".
واتهم سالم من وصفهم بـ"بعض" من يمارس اليوم الطقوس الشيعية في كربلاء بذكرى استشهاد الحسين بن علي (حفيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم) بأنهم هم من قتل المتظاهرين في احتجاجات تشرين 2019.
وعلى الوتيرة ذاتها، كشف تقرير صادر عن "معهد واشنطن" في 9 يوليو، أن "المواجهة الحاسمة لاستيلاء أعضاء هيئة التدريس والطلاب الموالين لإيران على وزارة التعليم العالي العراقية، من شأنها أن تساعد الولايات المتحدة على تقويض مساعي المليشيات لتجنيد جيل جديد من المقاتلين".
وأوضح التقرير أنه "منذ تولّي حكومة محمد شياع السوداني (أكتوبر 2022) كان مفاجئا السعي الحثيث لمليشيا عصائب أهل الحق (بزعامة قيس الخزعلي) لتولّي مسؤولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي التي تشرف على أكثر من مليون طالب".
رغم أن الولايات المتحدة أدرجت "عصائب أهل الحق" على لائحة المنظمات الإرهابية، ويخضع زعيمها قيس الخزعلي للعقوبات، إلا أن المليشيا تتمتع بامتيازات قوية ونفوذ واسع ومزايا مالية بفضل نشاطها داخل بعض القطاعات الحكومية العراقية.
وأشار التقرير إلى أن "موقع العصائب في التعليم العالي يعطيهم الفرصة لتعويض النقص الحاصل في الكوادر الشابّة لدى المليشيات، والسعي لتقويض الحركات الإصلاحيّة الشبابيّة والتي تمتلك مواقف إيجابية تجاه المجتمع الدولي العاملة بين أوساط طلبة الجامعات".
ولفت إلى أن "مثل هذه الحركات الطلّابية كانت الوقود الأساسي للاحتجاجات التشرينيّة عام 2019، والتي أسهمت في تقويض سلطة المليشيات ووضعهم في صِدامٍ مباشر مع المجتمع العراقي (خاصة في المناطق الوسطى والجنوبيّة ذات الغالبية الشيعية) وطموحات المواطنين العراقيين المشروعة بحياةٍ أفضل ودولة خالية من النفوذ الإيراني".
تعرضت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية إلى هزات طائفية عدة في مرحلة ما بعد عام 2003، وكان من أكثرها مأساوية هي حادثة اختطاف نحو 100 موظف من دائرة البعثات الثقافية في نوفمبر/تشرين الثاني 2006 وسط بغداد، بسيارات حكومية تابعة إلى وزارة الداخلية.

وعلى إثر ذلك، أصدر وزير التعليم العالي عبد ذياب العجيلي في 15 نوفمبر 2006، أمرا بتعطيل الدراسة في الجامعات العراقية "مؤقتا" وإلى حين تحسن الأوضاع الأمنية في البلاد.
وقال العجيلي، وهو آخر وزير سني تولى إدارة وزارة التعليم العالي في مرحلة ما بعد 2003، إنه كان قد "طلب من وزارتي الداخلية والدفاع توفير حماية أكبر لطاقم وزارته؛ لأنه كانت لديه معلومات أنهم مهددون بهجوم".
وأضاف الوزير أن "ما حدث هو اختراق أمني كبير، خصوصا أن المنطقة التي توجد بها هذه المكاتب تعج بنقاط التفتيش سواء التابعة للشرطة أو للجيش"، مؤكدا أن المسلحين الذين كانوا يرتدون زي الشرطة "زعموا أنهم من العاملين لدى وزارة الداخلية".
وتحدثت تقارير صحفية في وقتها أن أغلب المختطفين من دائرة البعثات هم من المكون السني، باستثناء بعض الأشخاص من الطائفية الشيعية الذين أفرج عنهم بعد ساعات من العملية، فيما فقد أثر الآخرين في حينها.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول 2012، كشفت صحيفة "المدى" العراقية نقلا عن مسؤول أمني عراقي (لم تكشف هويته) أنه عثر على مقبرة جماعية في منطقة السدة على أطراف مدينة الصدر تعود لموظفين لدائرة البعثات التابعة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي اختفوا في 2006.