بين احتجاجات أورمية وأكرم إمام أوغلو.. كيف تتأثر العلاقات التركية-الإيرانية؟

رمضان بورصا | منذ ٨ أيام

12

طباعة

مشاركة

تنعكس السياسات الثنائية والتطورات الإقليمية على العلاقات بين تركيا وإيران، مما يؤدي إلى توتر الأجواء أو تلطيفها. وإذا ما أردنا النظر إلى العلاقات التركية-الإيرانية من زاوية تاريخية، فسنرى أن هذه العلاقات مبنية على التنافس.

ويتجلى تصاعد حدة التنافس بين البلدين في نوعية الأخبار التي تبثها وسائل إعلام كل طرف عن الآخر. 

حيث ترى وسائل الإعلام الإيرانية أن استخدام لغة هجومية -إذا ما قورنت بلغة الإعلام التركي- ضد تركيا ضرورة من ضرورات الثورة الإسلامية، وجزءا من الدفاع عن المصالح الإقليمية. 

وفي الآونة الأخيرة، وبسبب عدد من التطورات، لوحظت زيادة كبيرة في الأخبار العدائية التي يبثها الإعلام الإيراني ضد تركيا، فضلا عن تصاعد حدة الخطاب.

أول هذه التطورات هو سقوط نظام بشار الأسد في سوريا. فبعد سقوط نظام الأسد، صرح كبار المسؤولين الإيرانيين، وعلى رأسهم المرشد الأعلى آية الله خامنئي، بأن تغيير النظام في سوريا حدث نتيجة تعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا.

وانعكست هذه التصريحات الاتهامية من قبل القادة الإيرانيين سلبا على تغطية وسائل الإعلام الإيرانية للأخبار المتعلقة بتركيا، مما دفعها إلى استخدام لهجة أكثر عدائية. 

أما التطور الثاني، فيتمثل في بدء البث الفارسي للتلفزيون الرسمي التركي "تي آر تي". وقد رأت وسائل الإعلام الإيرانية أن افتتاح القناة الفارسية يعد جزءا من "إستراتيجية أردوغان للتأثير على الشعب الإيراني والدول الناطقة بالفارسية". 

وقد أسهم هذا التطور في تعزيز الموقف العدائي للإعلام الإيراني تجاه تركيا، مما أدى إلى نشر المزيد من الأخبار السلبية واستخدام لغة أكثر حدة. 

وبالرغم من أن وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، ووكالة تسنيم الإخبارية الخاضعة لسيطرة الحرس الثوري، ووكالة فارس الإخبارية، تمتلك جميعها خدمات إخبارية باللغة التركية، إلا أن ذلك لم يواجه برد فعل مماثل في تركيا. 

وفي تغطيتها لحادث توقيف رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، ومن ثم اعتقاله بقرار من المحكمة، أبقت وسائل الإعلام الإيرانية على نهجها العدائي، فلم تسلك مسلكا موضوعيا في نقل الأحداث، لكنها تبنّت مزاعم المعارضة التركية وسلطت الضوء عليها.

 أكرم إمام أوغلو في الإعلام الإيراني

أبدى الإعلام الإيراني اهتماما كبيرا باعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، وما تلاه من تطورات، بما في ذلك الاحتجاجات التي اندلعت بالتزامن مع ذلك. 

حيث سعى التلفزيون الإيراني الرسمي الناطق بالإنجليزية، الذي بدأ البث باللغة التركية ردا على إطلاق التلفزيون التركي باللغة الفارسية، إلى إبراز المواجهات بين المتظاهرين والشرطة، بغية إعطاء صورة بأن تركيا تعاني من اضطرابات داخلية وتعيش حالة من الفوضى.

كما ركز الموقع الفارسي لقناة "العالم"، التلفزيون الرسمي الإيراني الناطق بالعربية، على أن أكرم إمام أوغلو هو المنافس السياسي للرئيس أردوغان، وسعى إلى ترسيخ فكرة أن إمام أوغلو اعتُقل بسبب معارضته لأردوغان ومنافسته له سياسيا. 

وختم التقرير  بقوله: "يبحث المحللون والخبراء المتابعون للشأن التركي فيما إذا كان هذا الاعتقال يأتي في إطار مكافحة الفساد، أم أنه أداة سياسية لإقصاء المنافسين عن المشهد السياسي في تركيا.  فمع اقتراب الانتخابات وفي ظل هذه الفترة الحساسة، أثارت القضية الكثير من الجدل حول مستقبل الديمقراطية والسياسة في تركيا. ومع استمرار التوترات والاحتجاجات، لا تزال التساؤلات تحيط بمستقبل المشهد السياسي في البلاد".

بدوره، سلط موقع "آهرين" الضوء على التوترات التي شهدتها الاحتجاجات، والمواجهات التي نشبت بين المتظاهرين وعناصر الأمن التركي. حيث أورد في تقريره ما يلي: "تفيد المصادر المحلية بأن الوضع لا يزال متوترا بالقرب من محطة مترو (فازنجيلار) في وسط إسطنبول، حيث لا يزال عدد كبير من المواطنين يتجمعون في منطقة سراج هانة لمواصلة الاحتجاجات". 

كما ركز موقع "هفت صبح"، في تغطيته، على حجم التظاهرات، حيث أكد أن الاحتجاجات التي اندلعت عقب اعتقال إمام أوغلو "شهدت تجمعات حاشدة". 

حيث جاء في تقرير موقع "هفت صبح": "دفع اعتقال إمام أوغلو الآلاف في تركيا للخروج إلى شوارع إسطنبول ومدن تركية كبرى أخرى. هذه الاحتجاجات تعدّ حالة لم تشهدها البلاد خلال السنوات العشر الأخيرة".

أما وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، فقد نشرت تقريرا عنونته بـ "الشرطة التركية تصطدم مع المتظاهرين المؤيدين لأكرم إمام أوغلو في إسطنبول"، وركزت فيه على التوترات بين المتظاهرين وقوات الشرطة، مشيرة إلى أن الاحتجاجات اندلعت في عدة مدن تركية، على رأسها إسطنبول.

كما ذكرت "إرنا" أن طلاب الجامعات شاركوا بكثافة في الاحتجاجات دعما لأوغلو.

ونقلت الوكالة الخبرَ بالصيغة التالية: "اعتقلت الحكومة التركية، يوم الأربعاء، رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، وهو شخصية معارضة بارزة ومنافس محتمل للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بتهم الفساد والإرهاب".

أما وكالة إسنا، فكانت كغيرها من وسائل الإعلام الإيرانية، سلطت الضوء على التوترات التي صاحبت الاحتجاجات. وجاء في تقريرها: "بحسب التقارير، استخدمت الشرطة التركية الغاز المسيل للدموع ضد المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجا على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، أكرم إمام أوغلو".

من جانبها، نشرت وكالة "تسنيم"، التابعة للحرس الثوري، عدة تقارير حول الحدث، سعت من خلالها إلى ترسيخ فكرة أن اعتقال إمام أوغلو مرتبط بكونه "منافسا محتملا لأردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة". حيث ذكرت في أحد تقاريرها:

"أعلن مكتب المدعي العام في إسطنبول صباح الأحد أن رئيس بلدية إسطنبول الكبرى، والذي يعد منافسا محتملا للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات المقبلة، متهم في قضية فساد مالي".

وبالنظر إلى تغطية موقع "تابناك"، الذي يملكه القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، محسن رضائي، فمن الممكن القول إنه كان الأكثر حيادية مقارنة بوسائل الإعلام الأخرى. حيث نشر تقريرا متوازنا، استعرض فيه الاحتجاجات والتوترات بين الشرطة والمتظاهرين، وكذلك تصريحات الرئيس أردوغان ومسؤولي حزب العدالة والتنمية حول القضية.  

وفي تقرير لصحيفة "شرق" الإيرانية، بعنوان: "رئيس بلدية إسطنبول يثير الفوضى في تركيا"، ذكرت الصحيفة: "يوم الأربعاء الماضي، اعتُقل رئيس بلدية إسطنبول المرموق من منزله بتهم تتعلق بدعم الإرهاب والفساد المالي".

كما لفتت الصحيفة إلى فرض "قيود على الوصول إلى الإنترنت في تركيا"، وهو ما أدى إلى صعوبة مشاركة المتظاهرين لمقاطع الفيديو. وأضافت أن "الاحتجاجات كانت متفرقة في اليومين الأولين، لكنها بدأت تزداد تنظيما وقوة خلال اليومين التاليين، مما يعكس تصاعد الزخم الشعبي ضد اعتقال إمام أوغلو".

كما سلطت الصحيفة الضوء على آراء "المعارضين الراديكاليين لأردوغان"، ونقلت بعض تصريحاتهم. حيث ذكرت في تقريرها: "يتهم أردوغان منتقديه بدعم الإرهاب، ويؤكد أنه لا يعبأ بمطالبهم. ويقول خصومه إنهم لن يخضعوا لاستبداد (السلطان)، وإن الديمقراطية وإرث أتاتورك في خطر أكثر من أي وقت مضى. ومساء السبت، وبينما كان إمام أوغلو في طريقه إلى المحكمة، كان مليون شخص ينتظرونه أمام أبواب المحكمة؛ مليون شخص قد لا يرغبون في العودة إلى منازلهم قريبا".

وبالتزامن مع اهتمام الإعلام الإيراني الرسمي، نشرت قنوات تابعة للحرس الثوري الإيراني على تليغرام منشورات مكثفة عن التطورات في تركيا. 

حيث شاركت قناة "أخبار فيلق القدس" منشورا تزعم فيه أن "المواجهات العنيفة وقمع المتظاهرين لا يزال مستمرا في تركيا". 

إلى جانب ذلك، زعمت بعض المصادر الإخبارية المدعومة من إيران أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غادر البلاد بسبب الاحتجاجات.

من جهته، تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع نظيره التركي هاكان فيدان عبر الهاتف يوم أمس، حيث تطرقا إلى التطورات في تركيا. 

وأكد عراقجي أن الأحداث في تركيا "شأن داخلي"، معربا عن ثقته في أن السلطات التركية "ستتعامل مع التطورات بما يخدم مصلحة الشعب التركي". 

من زاوية أخرى، من الممكن القول إن "المجموعات القومية الفارسية في إيران تمارس ضغوطا على الحكومة الإيرانية لاتخاذ موقف مناهض للحكومة التركية". 

أحد هؤلاء الناشطين هو إحسان موحديان، وهو أكاديمي معروف بمواقفه "المعادية لتركيا" و"توجهاته القومية الفارسية المتشددة". 

وفي منشور له على منصة "إكس"، دعا الأكاديمي وزارة الخارجية الإيرانية والسفارة الإيرانية في أنقرة إلى اتخاذ موقف أكثر وضوحا، حيث كتب:  “ألا تفكر وزارة الخارجية الإيرانية في إصدار تحذير للمواطنين بعدم السفر إلى تركيا؟ لماذا لا تصدر السفارة الإيرانية في أنقرة بيانا تحث فيه مواطنيها على عدم الاقتراب من مناطق التجمعات والصدامات في المدن التركية؟ وما موقف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية من محاولة أردوغان الاستحواذ على عيد النوروز؟”

احتجاجات متزامنة مع تظاهرات تركيا: سكان أورمية في الشوارع

خرج سكان مدينة "أورمية" الإيرانية إلى الشوارع في مظاهرات "احتجاجا على محاولات طمس الهوية التركية للمدينة". 

وردد عشرات الآلاف من المتظاهرين الأورميين شعارات مثل:  "أورمية تركية، وستبقى تركية"، "أذربيجان استيقظت، وتدعم أورمية"، "عاشت أذربيجان"، "الهوية التركية لأورمية ليست محل تفاوض".

في المقابل، تدخلت الشرطة الإيرانية ضد المتظاهرين الذين خرجوا للدفاع عن الهوية التركية لأورمية.

غطى العديد من وسائل الإعلام التركية، وعلى رأسها "تي آر تي" الفارسية، والقسم الفارسي في وكالة الأناضول، هذه المظاهرات. 

ففي تقرير نشرته قناة "تي آر تي" الفارسية عن احتجاجات أورمية، أشارت إلى شعارات رفعت خلال احتفالات عيد النوروز، مثل "أورمية كردية"، وهو ما  أثار غضب السكان الأتراك في المدينة. كما جاء في التقرير: "عبّر المشاركون في المظاهرات عن احتجاجهم ضد بعض الادعاءات التحريضية التي أُطلقت خلال احتفالات النوروز من قبل بعض الأفراد والمجموعات". 

أما القسم الفارسي في وكالة الأناضول، فقد نشر تقريرا بعنوان: "تجمع شعبي واسع في أورمية: أورمية تركية وستبقى تركية". وسلط التقرير الضوء على أن "الأتراك الإيرانيين الذين تظاهروا للدفاع عن الهوية التركية لأورمية قوبلوا بتدخل من الشرطة الإيرانية".

وجاء في ختام التقرير: "يتهم سكان أذربيجان الإيرانية، خاصة سكان مدينة أورمية، الحكومة الإيرانية بشن (حملة منظمة) تهدف إلى تغيير النسيج الديموغرافي والتاريخي للمدينة". 

منذ أكثر من عقد من الزمان، يحتج الأتراك الإيرانيون على محاولات طمس الهوية التركية لمدينة أورمية وسعي السلطات إلى صبغها بالهوية الكردية. وخلال العقد الأخير، نظم الأتراك في إيران مظاهرات عدة بسبب التغيرات الديموغرافية التي تشهدها أورمية. 

وفي الحادثة الأخيرة، أدى رفع شعارات خلال احتفالات النوروز تدّعي أن أورمية مدينة كردية إلى خروج سكان المدينة في مظاهرات واسعة في الشوارع. 

بالطبع، تتابع تركيا أوضاع الأتراك في إيران عن كثب، لكنها لا تتدخل بشكل مباشر. إذ تفضل أنقرة عدم التعليق على القضايا التي تُعد "شأنا داخليا إيرانيا"، باستثناء الأحداث الكبرى مثل قضية مهسا أميني.

ورغم أن المجموعات القومية الفارسية المتطرفة في إيران زعمت أن المخابرات التركية تقف وراء احتجاجات أورمية، إلا أنه لا توجد أدلة واضحة تثبت هذه الادعاءات. فمنذ سنوات، اعتاد القوميون الفُرس على "اتهام تركيا بالوقوف وراء أي تطورات غير مرغوبة في إقليم أذربيجان الإيراني". 

أما بخصوص التزامن بين الاحتجاجات في تركيا بعد اعتقال أكرم إمام أوغلو، والمظاهرات التي اندلعت في أورمية، فإن ذلك يُعد مجرد مصادفة، حيث إن لكل منهما أسبابه المختلفة تماما.  

أثر الاحتجاجات

لا يُتوقع أن تؤدي الاحتجاجات في كل من تركيا وأورمية إلى تأثير إقليمي كبير، حيث إن كلا الحدثين مرتبط بالأوضاع الداخلية في البلدين، ولا يحملان أسسا أيديولوجية أو جيوسياسية كبرى قادرة على إحداث تغييرات إقليمية واسعة. 

لكن عند النظر إلى كيفية تعاطي وسائل الإعلام التركية والإيرانية مع هذه الأحداث، يتضح أن التنافس بين البلدين يزداد شراسة يوما بعد يوم.

ففي السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات بين تركيا وإيران تراجعا واضحا، حيث حلّ التنافس محلّ التعاون. وكان ذروة هذا التوتر بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، حين اتخذت إيران موقفا عدائيا ضد تركيا، متهمة إياها بالتآمر على النظام السوري. 

وعليه، يبدو أن حالة التنافس بين أنقرة وطهران لن تهدأ في المستقبل القريب، بل قد تستمر في التصاعد خلال الفترة المقبلة.