التذكير بالماضي واختلاق الأكاذيب.. هكذا يهاجم نتنياهو منتقدي العدوان على غزة

خالد كريزم | منذ ١٠ أشهر

12

طباعة

مشاركة

فتح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو النار على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وذكره بماضي بلاده وسط تزايد انتقادات الأخير للعدوان على غزة ومطالبته بوقف إطلاق النار.

وباتت تستخدم إسرائيل 3 أساليب منذ بداية العدوان للرد على منتقديها، أولها توجيه تهمة معاداة السامية لهم، أو اختلاق الأكاذيب بشأنهم، أو تذكيرهم بماضيهم الدموي. 

وهكذا وجدت حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضالتها أخيرا للرد على منتقدي عدوانها المستمر على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الملفات القديمة

في نهاية مايو/أيار 2024، قارن نتنياهو خلال مقابلة عن بعد مع قناة "تي إف 1" الفرنسية قصف الفلسطينيين في غزة بمقتل عشرات المدنيين بغارة نفذها الجيش الفرنسي بالخطأ على حفل زفاف في مالي عام 2021.

وردا على سؤال طرحه المذيع خلال المقابلة "هل يمكننا تنفيذ عمليات كوماندوز بدلا من هذا العمل الضخم الذي يقتل هذا العدد الكبير من الأبرياء؟"، أجاب نتنياهو "هذه ليست هجمات غير محددة الأهداف، نحن نبذل كل ما في وسعنا".

وأضاف "في سعيها لاستهداف قادة الإرهابيين في مالي، قصفت القوات الفرنسية حفل زفاف، مما تسبب في خسائر فادحة بصفوف المدنيين".

وتابع: "هذا شيء يحدث في الحرب، لكنني لا أقول إن ماكرون مجرم حرب، لن أقول إن الجيش الفرنسي فعل ذلك عمدا، ونحن لا نفعل ذلك أيضا".

وصرح نتنياهو بأنه في بعض الأحيان قتل الجيش الإسرائيلي بعض قواته في غزة بالخطأ وقد اعترف بذلك، وفق زعمه.

ودعمت فرنسا ما أسمته "حق إسرائيل في الدفاع عن النفس" بعد تنفيذ حركة المقاومة الإسلامية حماس عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، لكنها بدأت بالتراجع مع تصاعد الجرائم الإسرائيلية واتهام تل أبيب بتنفيذ إبادة جماعية بحق المدنيين.

وبعد يوم من مقابلة نتنياهو، أعلنت الحكومة الفرنسية قرار منع إسرائيل من المشاركة في معرض الأسلحة الضخم "يورو ساتوري" المقرر إقامته في باريس خلال الفترة بين 17 و21 من نفس الشهر.

وتلقت حوالي 70 شركة دفاع إسرائيلية الرسالة المفاجئة عبر “سيبات” (قسم الصادرات الدفاعية في وزارة الدفاع).

وفي جزء آخر من المقابلة، سأل المحاور نتنياهو عن “القصف البساطي” (استخدام عدد كبير من القنابل غير الدقيقة في نفس الوقت)، فأجاب “نحن لا ننفذ قصفا بساطيا كما ما فعله الحلفاء في دريسدن (الألمانية)"، خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945).

وقصف الحلفاء في 13 فبراير/شباط 1945 وعلى مدار 3 أيام المدينة الألمانية بهدف إجبار ألمانيا النازية على الاستسلام خلال الأشهر الأخيرة من الحرب، ما أدى إلى مقتل نحو 35 ألف شخص في تلك الغارات التي شنتها طائرات أميركية وبريطانية. 

وانتهت عملية القصف الهائل بتسوية 90 بالمئة من أبنية المدينة بالأرض، بطريقة أثارت الجدل عالميا حول توصيف العملية قانونيا والنتائج التي كانت مرجوة منها، وخصوصا أنها كانت بلا دفاعات عسكرية تذكر، وكان أهلها يعيشون بسلام بعيدا من الحرب حتى ذلك الحين.

وبعد أن نفى أن يكون ما جرى في غزة مثل دريسدن، قال نتنياهو إنه يشبه إلى حد كبير ما حدث في نورماندي قبل الغزو”. ورد المحاور: “الفرق هو أن هذه ليست أراضيكم”.

ونفذ الحلفاء في 6 يونيو/حزيران 1944 أكبر عملية إنزال في التاريخ العسكري؛ انطلاقا من بريطانيا على سواحل منطقة نورماندي شمال غربي فرنسا، لفتح جبهة جديدة ضد ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك فيها أكثر من مليونيْ جندي و300 ألف مركبة عسكرية.

ومكَّن إنزال النورماندي من إقامة رأس جسر في الغرب الفرنسي مما مهد الطريق لتحرير فرنسا وبلجيكا وهولندا، ثم مواصلة الزحف إلى برلين.

وعلقت صحيفة تايمز أوف إسرائيل على ما جاء في المقابلة بالقول: “ميل نتنياهو إلى المقارنات التاريخية ملائم لنقاش في المدرسة الثانوية، ولكن عندما يتم نطق هذه الكلمات في إحدى وسائل الإعلام الفرنسية، فالنتيجة تكون غير دبلوماسية بشكل قاطع”.

وتابعت في 5 يونيو/حزيران 2024: “تفاقم الغضب في الحكومة الفرنسية وتساءلوا: ما العلاقة بين قصف الحلفاء في دريسدن والحملة التي تشنها إسرائيل حاليا في غزة”.

ولم ينتقد نتنياهو فرنسا فحسب، إذ إن إشارته إلى الحلفاء، تحمل أيضا رسالة إلى بريطانيا وأميركا، وسط مطالبات بالتوجه نحو تنفيذ صفقة لوقف إطلاق النار وتبادل الأسرى.

وعلقت مراسلة قناة فرنسا 24 في القدس المحتلة ليلى عودة بالقول: “بدأ نتنياهو بفتح نار الانتقادات والدفاتر القديمة للدول التي انتقدته ودعته لوقف الحرب على قطاع غزة”.

وتابعت في تغريدة على إكس: “في انتظار مقابلة نتنياهو مع التلفزة الأميركية ليتحدث فيها عن أخطاء الولايات المتحدة ضد الهنود الحمر ،ناغازاكي وهيروشيما، وفيتنام ، وأفغانستان، وشمال غرب باكستان ،والعراق ، وليبيا”.

اختلاق الأكاذيب

وفي أسلوب آخر، يختلق نتنياهو وحكومته الأكاذيب في الرد على منتقدي العدوان المدمر الذي أدى إلى استشهاد أكثر من 36 ألف فلسطيني في غزة حتى الآن.

وعلى سبيل المثال، هاجم نتنياهو في 9 مارس/آذار 2024، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بسبب تصريحاته التي أدلى بها في نفس اليوم، واصفا رئيس الوزراء الإسرائيلي وإدارته بـ"القتلة الجماعيين" و"نازيي عصرنا".

وقال نتنياهو، إن “إسرائيل التي تلتزم بالقانون الدولي ترفض الوعظات السخيفة حول الأخلاق من أردوغان الذي يدعم القتلة والمغتصبين من حماس”.

وواصل قائلا إن أردوغان "ينكر الإبادة الجماعية للأرمن، ويذبح الأكراد في بلاده، ويتنافس على الرقم القياسي العالمي في القضاء على معارضي النظام والصحفيين وسجنهم".

وجاء ذلك بعدما قال الرئيس التركي إن التطورات في غزة منذ 7 أكتوبر “تجاوزت ما يمكن التسامح معه”، مبينا أن بلاده ملتزمة "بضمان محاسبة القتلة الجماعيين الذين يحكم عليهم الضمير الإنساني بالفعل بموجب القانون الدولي".

وعن هذه التهمة، فاجأ رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، في مايو/أيار 2024، الرأي العام الداخلي في بلاده وفي العالم وبخاصة في تركيا، عندما قال إن الأتراك لم يرتكبوا إبادة جماعية ضد الأرمن، في إشارة إلى أحداث عام 1915.

وأشار باشينيان أن الاتحاد السوفيتي هو من اخترع هذا الادعاء؛ من أجل مفاقمة العلاقات بين تركيا وأرمينيا.

وأدلى بتصريح حول موقفه من أحداث عام 1915 التي جرت في عهد الدولة العثمانية في اجتماع عقد مغلقا، حسبما أفادت به وسائل إعلام تركية.

وبحسب صحيفة يني شفق التركية، قال باشينيان: “مع تصلب العلاقات بين موسكو وأنقرة منذ عام 1946، بدأت روسيا، أو بتعبير أدق، الاتحاد السوفيتي في استخدام خطاب (الإبادة الجماعية للأرمن)”.

وتابع: "لم يكن لدينا خيار قبول ذلك أم لا. لقد قيل لنا ما يجب أن نقوله، ووقفنا إلى جانبه. نحن بحاجة الآن إلى الجلوس وإعادة التحقيق في كل هذه الأحداث".

ولم يكن نتنياهو الوحيد الذي عمد إلى مهاجمة تركيا بسبب انتقادها للعدوان الإسرائيلي ومطالبتها بتقدير مجرمي الحرب الإسرائيليين للمحاكمة.

فقد قال عضو مجلس الحرب بيني غانتس، إن تعليقات أردوغان التي تقول إن حماس ليست منظمة إرهابية هي "ذروة النفاق" و"تفسر سلوكه تجاه مواطنيه".

وأضاف غانتس: "وقوف أردوغان خلف حماس يجعله مؤيدا للجرائم ضد الإنسانية. ومقارنة رئيس وزراء إسرائيل بالديكتاتوريين هي قمة النفاق".

وفي 27 مايو، كتب وزير الخارجية الإسرائيلي يسرائيل كاتس على منصة "إكس": "الشخص الذي يجب أن يتهم بالإبادة الجماعية، هو الديكتاتور أردوغان، الذي يقتل مواطنيه الأكراد، ويحتل شمال قبرص، ويرتكب جرائم ضد الإنسانية"، على حد قوله.

وجاء ذلك بعد أن قال أردوغان في نفس اليوم إن “المجزرة التي وقعت في رفح جنوبي قطاع غزة (بحق النازحين في الخيام)، تظهر مرة أخرى الوجه الدموي والغادر لدولة الإرهاب”.

وأضاف أردوغان: "هذه المجزرة وقعت بعد دعوة محكمة العدل الدولية إلى وقف الهجمات، المجرمون مرتكبو الإبادة الجماعية، ألقوا أمس (26 مايو) الصواريخ والقنابل بشكل كثيف على المدنيين في مخيم اللاجئين برفح التي أعلنوا أنها منطقة آمنة".

وبعد تصريحات كاتس، قالت الخارجية التركية في بيان: "إن لهجة وزير الخارجية الإسرائيلي غير المحترمة، والاتهامات التي لا أساس لها تجاه رئيسنا، هي جهد لا طائل منه لتغيير الأجندة، ولحرف الأنظار عن جرائم إسرائيل في فلسطين".

وأضاف البيان: "إن حكومة نتنياهو قتلت ما يقرب من أربعين ألف فلسطيني، منذ أكتوبر، وذبحت بوحشية عشرات الفلسطينيين الأبرياء، في هجوم على مخيم للاجئين الليلة الماضية، وأيّ شخص متواطئ في هذه الجرائم سيحاكم أمام المحاكم الدولية".

معاداة السامية

وإلى جانب الأسلوبين السابقين، تحضر على الدوام تهمة معاداة السامية التي أطلقها المسؤولون الإسرائيليون على كل من وجه انتقادات لتل أبيب خلال العدوان وعلى مدار سنوات احتلاله للأراضي الفلسطينية.

ونالت هذه التهمة الجاهزة والمعلبة، الطلاب في الجامعات الأميركية والغربية الذين يتظاهرون من أجل وقف الإبادة الجماعية.

فعندما اجتاحت الاحتجاجات الجامعات في الولايات المتحدة بسبب العدوان على غزة، قال نتنياهو إنها مليئة بـ"الغوغاء المعادين للسامية".

في ذروة الاحتجاجات في الحرم الجامعي، أصدر نتنياهو بيانا بالفيديو يدين معاداة السامية “غير المعقولة” قائلا “هذا يذكرنا بما حدث في الجامعات الألمانية في الثلاثينيات، ما يحدث أمر مروع".

كما وجه نتنياهو التهمة نفسها للمدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية كريم خان قائلا إنه أحد “أعظم معادي السامية في العصر الحديث”، وذلك بعدما أعلن سعيه إلى إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير جيشه يوآف غالانت.

وادعى أن خان "يصب البنزين بقسوة على نيران معاداة السامية التي تستعر في جميع أنحاء العالم"، مقارنا إياه بالقضاة الألمان الذين وافقوا على قوانين العنصرية النازية ضد اليهود.

وأثارت هذه التعليقات توبيخا من منسق السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، الذي قال: “لقد تعرض المدعي العام للمحكمة للترهيب الشديد واتُهم بمعاداة السامية كما هو الحال دائمًا عندما يفعل أي شخص شيئًا لا تحبه حكومة نتنياهو”.

وقد شبه نتنياهو الاتهامات بأن الحرب الإسرائيلية تسبب المجاعة في غزة أو أنها إبادة جماعية بفترات الدم، وهي اتهامات لا أساس لها منذ قرون تقول إن اليهود ضحوا بأطفال مسيحيين واستخدموا دمائهم لصنع فطير لعيد الفصح.

وعن اتهام خان والطلاب، علقت وكالة أسوشيتد برس الأميركية قائلة: “هذه مجرد اثنتين من الحالات العديدة خلال الحرب التي اتهم فيها نتنياهو منتقدي إسرائيل أو سياساته بمعاداة السامية، مستخدمًا خطابًا ناريًا لمقارنتهم بأسوأ مضطهدي الشعب اليهودي”.

 لكن منتقديه يقولون إنه يبالغ في استخدام هذا المصطلح لتعزيز أجندته السياسية ومحاولة خنق حتى النقد المشروع، وأن القيام بذلك يخاطر بإضعاف معنى المصطلح، وفق ما أوضحت الوكالة في 29 مايو 2024.

وقال المؤرخ الإسرائيلي توم سيجيف: "ليس كل انتقاد ضد إسرائيل معادياً للسامية، هذه محاولة لسحق النقاش" بشأن هذه التهمة.

وتابعت الوكالة: “لطالما استخدم نتنياهو، وهو ابن أحد علماء الاضطهاد اليهودي في العصور الوسطى، معاناة الشعب اليهودي لتلوين خطابه السياسي. ومن المؤكد أنه ليس أول زعيم عالمي متهم باستخدام الصدمة الوطنية لتحقيق أهداف سياسية”.

ولفتت إلى أن اتهاماته بمعاداة السامية تأتي في الوقت الذي تجنب فيه مرارا وتكرارا المساءلة لعدم منع هجوم حماس في 7 أكتوبر. 

ويرى المؤرخ أن نتنياهو استخدم الأزمات اليهودية منذ فترة طويلة لتحقيق مصلحته السياسية، بما في ذلك استحضار أعمق صدمة للشعب اليهودي، المحرقة، لتعزيز أهدافه.

وكان نتنياهو قد أشار في السابق إلى تلميحات متكررة إلى المحرقة أثناء محاولته حشد العالم ضد البرنامج النووي الإيراني.

كما أجرى القادة الإسرائيليون ووسائل الإعلام العبرية مثل هذه المقارنات في 7 أكتوبر، حيث وصفوا مهاجمي حماس بالنازيين، وقارنوا عمليتهم بالعنف التاريخي الذي تعرض له يهود أوروبا الشرقية، وفق مزاعمهم.

ونقلت أسوشيتد برس عن أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية في القدس “روفين حزان”، قوله إن نتنياهو استغل احتجاجات الجامعات على سبيل المثال، لجعل الإسرائيليين يلتفون حوله في وقت انخفض فيه دعمه الشعبي ونفد صبر الإسرائيليين من الحرب.

وبين أن نتنياهو استخدم الاحتجاجات أيضًا ككبش فداء لفشله حتى الآن في تحقيق هدفي الحرب: “تدمير حماس وتحرير الرهائن”.

وتابع قائلا عن نتنياهو “إنه يصرف اللوم عن نفسه، ولا يعزو أي تقصير إلى سياساته الخارجية أو سياساته في الأراضي (الفلسطينية)، بل إلى معاداة السامية. هذه الرواية تفيده كثيرًا، ويعفيه من المسؤولية”.