وزير خارجية السعودية في بيروت.. هل تُسرع الزيارة تشكيل الحكومة اللبنانية؟

منذ شهرين

12

طباعة

مشاركة

بخطى حثيثة وسريعة، يواصل الرئيس المكلف بتشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة، نواف سلام، البحث عن التشكيلة الوزارية التي تعد خطوة "بالغة الأهمية" لاستقرار البلاد والنهوض بالاقتصاد المنهار منذ عام 2019، والذي زاد من أعبائه العدوان الإسرائيلي الأخير.

وبينما يواجه سلام عقبات أمام تشكيل الحكومة تتمثل بمحاولات بعض الأحزاب فرض أسماء عليه لاستوزارها في حقائب بعينها، زار وزير خارجية السعودية فيصل بن فرحان، في 23 يناير/ كانون الثاني 2025 العاصمة بيروت.

عودة مشروطة

وأكد وزير خارجية السعودية، استمرار وقوف المملكة مع لبنان وشعبه، وثقتها في قيادته الجديدة "للشروع بالإصلاحات"، وذلك خلال مؤتمر صحفي عقده بقصر بعبدا الرئاسي شرق بيروت، عقب انتهاء مباحثاته مع الرئيس اللبناني جوزيف عون.

وقال ابن فرحان: "أكدت لعون استمرار وقوف السعودية مع لبنان وشعبه، وثقتنا الكبيرة به وبرئيس الوزراء المكلف نواف سلام، للشروع بالإصلاحات وتحقيق الاستقرار".

كما عقد وزير الخارجية السعودي، لقاء آخر مع رئيس الوزراء المكلف سلام، في العاصمة بيروت.

وأكد سلام عزمه "السير في الإصلاحات السياسية والقضائية والإدارية والمالية المطلوبة"، معربا عن التزامه "بإعادة لبنان إلى محيطه العربي الطبيعي".

والتقى الوزير السعودي رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الأعمال الأخيرة نجيب ميقاتي.

وهذه هي الزيارة الأولى لمسؤول سعودي رفيع المستوى منذ 15 عاما بعدما شهدت العلاقة فتورا بين البلدين، وتوترا تصاعد في أكتوبر/ تشرين الأول 2021 حينما سحبت الرياض سفيرها من بيروت لخمسة أشهر على خلفية تصريحات لوزير الإعلام اللبناني حينها جورج قرداحي الذي أعلن تأييده للحوثيين الذين انقلبوا على الشرعية في اليمن بدعم من إيران.

ووصفت وسائل إعلام لبنانية زيارة ابن فرحان إلى بيروت بـ"الزيارة التي طال انتظارها".

وقالوا إنها تترجم اليوم "انفتاح السعودية على لبنان" ومساعدته من جديد بعد تعهد الرئيس عون في خطاب الفوز بالرئاسة باتباع "النهج الإصلاحي" الذي يروق للرياض لا سيما بعد تراجع نفوذ حزب الله المدعوم من إيران.

اللافت أن زيارة ابن فرحان جاءت بعد أسبوع من تأكيد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال محادثة هاتفية جرت بينهما "دعمهما الكامل" لتشكيل "حكومة قوية" في لبنان.

وقالت الرئاسة الفرنسية "الإليزيه" عبر بيان في 16 يناير 2025 إن المسؤولين "أشارا إلى أنهما سيقدمان دعمهما الكامل للاستشارات التي تجريها السلطات اللبنانية الجديدة بهدف تشكيل حكومة قوية وقادرة على جمع تنوّع الشعب وضمان احترام وقف النار بين إسرائيل ولبنان وإجراء الإصلاحات الضرورية من أجل ازدهار البلد واستقراره وسيادته".

وأضاف البيان أن انتخاب الرئيس عون وتكليف رئيس الوزراء سلام يفتحان "حقبة جديدة للبنان" ويعطيان "إشارة مهمة للمجتمع الدولي لإعادة الانخراط" في هذا البلد.

تفخيخ خفي

وتتشاطر السعودية وفرنسا دورا مؤثرا في الأوساط السياسية اللبنانية، ولهذا فإن ماكرون زار بيروت في اليوم التالي لمكالمته ولي العهد السعودي، وأكد وقتها أن باريس ستحتضن مؤتمرا دوليا لبحث “إعادة إعمار لبنان”.

والاختراق السياسي الجديد في لبنان عبر عدم تمكن حزب الله وحلفائه هذه المرة من فرض رئيس للبنان "مطمئن لهم"، وكذلك تأييد الاستشارات النيابية لنواف سلام لتشكيل الحكومة، دفع الرياض "للعودة بقوة" إلى لبنان.

إذ خفضت السعودية بشكل كبير دعمها للبنان في السنوات الأخيرة أمام تصاعد قوة “حزب الله” ذراع إيران الرئيس في المنطقة.

ويواجه نواف سلام كثيرا من العراقيل والشروط التي يحاول البعض فرضها عليه لتمرير التشكيل الحكومي.

وكشفت مصادر نيابية لموقع "جنوبية" المحلي، أن "حزب الله - وحركة أمل بقيادة نبيه بري، اللذان يطلق عليهما (الثنائي الشيعي) يفخخان درب الرئيس المكلف سلام في الخفاء عندما يطرح هذا الثنائي أسماء حزبية مموهة، وهذا ما يرفضه الرئيس المكلف خصوصا أنه أكد أن حكومته المؤلفة من 24 وزيرا ستكون من الاختصاصيين (تكنوقراط)".

ولهذا ما تزال مشاورات تأليف حكومة سلام تراوح مكانها منذ تكليفه من قبل الرئيس عون في 13 يناير 2025 بعد رسو الاستشارات النيابية على تأييده رئيسا للحكومة وهو القاضي الذي كان يشغل منصب رئيس محكمة العدل الدولية لحظة تكليفه. 

وينخرط سلام في مشاورات دقيقة مع القوى السياسية من أجل الإسراع في تشكيل الحكومة، بعدما اصطدم عند تكليفه بامتناع حزب الله وحليفته حركة أمل عن تأييده.

فبينما يواصل كثير من القوى السياسية في لبنان بما فيها المعارضة تقديم التسهيلات كافة لتأليف الحكومة، هناك بعض الأحزاب تصر على تسلم حقائب وزارية معينة والتي تكاد تكون بمثابة "حقيبة وزارية لطائفة" وهذا ما يرفضه سلام.

وترى القوى اللبنانية أنهم يسعون لتشكيل حكومة لا يتمثل فيها ثلث معطل لقراراتها ولا ثلاثية "جيش شعب مقاومة" وهي الجملة التي كان حزب الله يصف فيها الحكومات التي تتشكل بقبول منه.

تنفيذ الشروط

وفي الوقت الراهن، يتمسك "الثنائي الشيعي" بتسمية وزير المال في حكومة سلام، حيث يوصف هذا التمسك بأنه عرقلة ناعمة من جهة ومحاولة "للحفاظ على التوازن الطائفي" في الحكومة.

كما أن هناك قوى سياسية أخرى تتصارع على حقائب خدماتية وازنة مثل الأشغال العامة والنقل والصحة والشؤون الاجتماعية.

ويأتي هذا التجاذب رغم تغير موازين القوى، بعدما خرج حزب الله الذي لطالما شكل القوة السياسية والعسكرية الأبرز في لبنان، من مواجهته الأخيرة مع إسرائيل أضعف محليا، وبعد سقوط حليفه بشار الأسد في سوريا المجاورة.

وبحسب موقع "نداء الوطن" فإن ابن فرحان خلال زيارته لبيروت نقل إلى الرئيس عون، استعداد ولي العهد السعودي مع الدول المانحة للمساعدة وتتويج المرحلة الجديدة في لبنان.

وأضاف الموقع أن الدبلوماسي السعودي أكد للرئيس عون أن "لبنان أمام فرصة تاريخية للنهوض وعلى القادة السياسيين تحمل مسؤولياتهم وتأليف حكومة سريعا والسير بالإصلاحات، إذ لا دعم ومساعدات من دونها".

وسأل ابن فرحان الرئيس عون عن احتياجات لبنان، فأكد أن الأولوية لدعم إعادة الإعمار وتقديم دعم مالي من أجل النهوض الاقتصادي ودعم الجيش للقيام بمهامه، وفق الموقع.

ويأمل البعض من الحكومة الجديدة الابتعاد عن لعبة الفساد والصفقات المشبوهة التي تستنزف خزينة الدولة.

وضمن هذا السياق، رأى رئيس تحرير صحيفة "اللواء" اللبنانية، صلاح سلام، أن "لبنان راهنا تحت الوصاية العربية والدولية من قبل السعودية والولايات المتحدة وفرنسا، ولذلك كان هناك اشتراط بأن يكون رئيس الحكومة من خارج المنظومة السياسية ووقع الاختيار على نواف سلام والذي جاء من خارج المحاصصة بين الأحزاب".

وأضاف سلام خلال تصريح تلفزيوني في 24 يناير 2025 أن "زيارة وزير الخارجية السعودي إلى لبنان تعطي تغطية لثقة عربية ودولية يمكن استثمارها مع الدول الأوروبية للحصول على التسهيلات المالية في إعادة الإعمار".

وأشار إلى أن "زيارة ابن فرحان هي رسالة إعادة الثقة للعهد الجديد في لبنان، مع التشديد على أن مواصفات الحكومة يجب أن تكون كما أوصت بها اللجنة الخماسية للبنان بأن تكون حكومة كفاءات وتشكل فريق عمل منسجم وتقر خططا إصلاحية لإنقاذ لبنان وإعادة تكوين السلطة من جديد من خلال قانون انتخابي جديد".

واللجنة الخماسية الخاصة بلبنان تضم ممثلين عن الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر وقطر، والتي تشكلت لبحث ملف الرئاسة الشاغر حينما انتهت ولاية الرئيس السابق ميشال عون نهاية أكتوبر 2022.

شرط الدعم

ويؤكد الخبراء أن هناك ضرورة لتوفير الأجواء لولادة حكومة جديدة في لبنان واستثمار الفرصة لإخراج البلاد من حالة التأزم.

فاليوم الدبلوماسي ورجل القانون نواف سلام له خبرات تخطت نطاق البلد المتوسطي الصغير، ما يجعله من خارج الطبقة التقليدية الحاكمة في لبنان المتهمة بالفساد وبتغليب منطق المحاصصة على بناء الدولة.

وقد باتت أمام سلام تحديات اقتصادية والتحول نحو نهضة جديدة للبلاد الذي يعاني من انهيار اقتصادي منذ عام 2019، علاوة على نتائج كارثية خلفها العدوان الإسرائيلي على لبنان.

فقد قدر البنك الدولي الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الأولية التي مُني بها لبنان جراء عدوان إسرائيل بنحو 8.5 مليارات دولار، في حين أن تقديرات لبنانية تشير إلى أن الخسائر أكبر من ذلك بكثير.

وخلص التقييم الأولي للأضرار والخسائر في لبنان إلى أن الأضرار المادية وحدها بلغت 3.4 مليارات دولار، وأن الخسائر الاقتصادية بلغت 5.1 مليارات دولار.

وأمام ذلك، ربطت وسائل إعلام لبنانية قيام الرئيس عون بزيارة السعودية لاحقا والتوقيع على أكثر من 22 اتفاقية بين البلدين مرتبطة بتشكيل الحكومة.

وضمن هذا الإطار، رأى الكاتب والصحفي السعودي جاسر الجاسر، أن زيارة ابن فرحان إلى لبنان هي "لتأكيد الرياض على أنه في حال قيام الحكومة اللبنانية بالإصلاحات المطلوبة فإن الدعم السعودي سيكون مساندا للبنان".

وأضاف الجاسر خلال تصريح تلفزيوني في 23 يناير 2025 قائلا: "هناك شرط سعودي على لبنان وهو ألا تكون الدولة اللبنانية ذات ولاءات خارجية".

وتابع: "ما تعمل عليه السعودية هو تطبيق المواصفات التي صاغتها اللجنة الخماسية بشأن لبنان، وأهمها أن تحارب الحكومة الجديدة الفساد وتؤسس للبناء والتنمية، وبالتالي فإن أي تقدم بخطوة بهذه الشروط سيقابل بدعم وتحشيد من الرياض لدعم لبنان دوليا".