"أداة فاعلة".. هل يوقف قانون قيصر الأميركي مساعي التطبيع مع النظام السوري؟

أمام اندفاع دول إقليمية للتطبيع المشروط مع النظام السوري، يبرز قانون قيصر الأميركي المصمم لمعاقبة أركان النظام والمتعاملين معه سواء كانوا دولا أو كيانات، "كجدار حماية" من محاولات نسف الحل السياسي بسوريا.
ولذلك، كررت الولايات المتحدة القول، أخيرا، إنها لا تدعم التطبيع مع نظام بشار الأسد، ولا سيما بعد تسارع التقارب بين أنقرة ودمشق.
وفي 12 يناير/ كانون الثاني 2023، دعا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، حلفاء بلاده إلى عدم التطبيع مع نظام بشار الأسد.
وأكد في تصريحات صحفية نقلتها شبكة "سي إن إن" الأميركية، أن واشنطن ستستمر في ثني شركائها حول العالم عن تطبيع العلاقات مع نظام الأسد أو تحسينها".
وقال برايس، إن "الأسد ارتكب أعمالا وحشية، وقواته ارتكبت جرائم حرب، وسنواصل العمل على محاسبة النظام، والعمل على تطبيق القرار 2254 الذي يشكل الأساس الأنسب لإنهاء الحرب بطريقة تحترم وتعزز تطلعات الشعب السوري".
وقبل ذلك، طرح سؤال خلال إحاطة صحفية لمنسق الأمن القومي الأميركي للاتصالات الإستراتيجية، جون كيربي، في 6 يناير عن موقف بلاده من التقارب بين تركيا ونظام الأسد، بوساطة روسية.
وأجاب كيربي قائلا: "لن نشجع أي دولة على تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، لكننا سنرى إلى أين تذهب هذه المحادثات وماذا ينتج عنها في الواقع".
قانون قيصر
وفي خضم عودة الملف السوري للواجهة من جديد، يبرز سؤال مهم مفاده "ماذا يمكن لواشنطن فعله عبر قانون قيصر لإفشال التطبيع مع نظام الأسد؟"
وكثيرا ما ربط الخبراء مصير بشار الأسد ونظامه، بمدى جدية الولايات المتحدة في تطبيق قانون قيصر، توازيا مع الضغوط التي ستمارسها على من يحاولون إنعاش هذا النظام الذي ما يزال يقف على قدميه بفعل الوجود الإيراني والروسي.
وأُطلق على القانون اسم "قيصر" كاسم حركي لمصور سابق في الشرطة العسكرية السورية انشق عن نظام الأسد عام 2013 وسرب للصحافة العالمية صور المعتقلين الذين قتلهم نظام بشار الأسد في المعتقلات.
واستطاع هذا العسكري المنشق تهريب 55 ألف صورة تظهر الوحشية التي يتعرض لها المعتقلون بسجون الأسد على خلفية الثورة التي اندلعت عام 2011 وقمعها الأسد بالحديد والنار، حيث بات منذ ذلك الوقت منبوذا إقليميا ودوليا.
وبدأت الولايات المتحدة تطبيق قانون حماية المدنيين الذي يعرف بـ "قيصر" في 17 يونيو/ حزيران 2020، وخصص لمعاقبة الداعمين والمتعاملين مع النظام السوري.
وبموجب قانون "قيصر" الأميركي، فرضت واشنطن عقوبات على رأس النظام بشار وزوجته أسماء، ثم لاحقا على نجله الأكبر حافظ، وشخصيات من عائلة الأسد.
إضافة لمسؤولين سياسيين وضباط برتب مختلفة وكيانات سورية ورجال أعمال يديرون ما يسمى "اقتصاد عائلة الأسد".
وبموجب العقوبات، بات أي شخص يتعامل مع النظام السوري معرضا للقيود على السفر أو العقوبات المالية بغض النظر عن مكانه في العالم.
عقوبات حتى الرأس
وتتبع علاقات النظام السوري الاقتصادية وثروات رأس النظام بشار الأسد وعائلته والمقربين منه ورجال الأعمال الذين يدورون في فلكه، كانت من صلب إقرار "قيصر"، وذلك بهدف إجبار هذه السلطة على الحل السياسي طبقا للقرارات الأممية.
وكثيرا ما أكد المسؤولون الأميركيون أن "قانون قيصر يمثل وسيلة لدعم الحل السياسي للصراع في سوريا ويقوي الأدوات المتاحة للولايات المتحدة لذلك على النحو الذي دعا إليه قرار مجلس الأمن رقم 2254".
والقرار الأممي 2254 الصادر عام 2015، هو الممهد للحل بسوريا، إلا أنه ما يزال دون تطبيق، ولم يحقق أيا من سلال العملية السياسية الأربع، وهي: الحكم الانتقالي، والدستور، والانتخابات، ومكافحة الإرهاب.
وذلك نتيجة مماطلة نظام الأسد في تحقيق أي تقدم في هذه السلال كما يؤكد الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في إحاطاته الصحفية.
ورغم أن إقرار "قيصر" نجح في فرض معادلة جديدة في سوريا، بحيث زادت العزلة السياسية التي يعاني منها نظام بشار الأسد، وكذلك بسط حصار مالي واقتصادي شديد ضده.
إلا أن نظام الأسد بقي يتنفس من تحت ذلك القانون، سواء عبر دعم حليفتيه إيران وروسيا، أو عبر الالتفاف على الرقابة الأميركية من خلال شبكة علاقاته الخارجية.
ولهذا ينظر إلى قانون "قيصر" على أنه بيضة القبان في معادلة الحل بسوريا، والذي يمكن من خلاله لواشنطن أن تدفع نظام الأسد للانخراط في الحل السياسي في حال كان هناك إرادة سياسية فاعلة من البيت الأبيض.
وخاصة أن تجارب العقود الماضية، من حصار كوبا المستمر منذ عام 1959، تظهر أن العقوبات الغربية، لم تفلح في إسقاط الأنظمة المعادية للغرب، بدءا من العراق أيام نظام صدام حسين، وليس انتهاء بفنزويلا أيام خافيير شافيز، مرورا بكوريا الشمالية وكوبا وليبيا وإيران وغيرها.
وكانت قد أكدت مؤسسة "FDD" الأميركية للأبحاث في 30 يوليو/تموز 2021، أنه إذا كانت الإدارة الأميركية ملتزمة بتصعيد الضغوط الاقتصادية على نظام الأسد، فعليها التركيز على ثلاثة مجالات.
هي، تهريب المخدرات، وواردات النفط الخام غير المشروعة من إيران، ومصادرة النظام الكثير من المساعدات الإنسانية التي تدفعها الحكومات الغربية وتوزعها وكالات الأمم المتحدة، توضح المؤسسة.
السلاح الأهم
وفي هذا السياق، يقدم الدبلوماسي السوري السابق داني بعاج، لـ"الاستقلال"، تفصيلا مهما حول "قانون قيصر" بقوله إنه "يحد من التحرك الاقتصادي للدول والكيانات تجاه النظام السوري، لكنه لا يحد من التطبيع السياسي معه، بمعنى لا يوجد شيء يمنع اللقاء السياسي معه".
وأضاف: "لا شك أن الدول التي تندفع للتطبيع مع النظام السوري لا تمتلك الأريحية لدعمه ماديا واقتصاديا، ولذلك فإن أميركا عندما تكون غير راضية عن أي تحرك سياسي تجاه الأسد لا تتطلب كثيرا من الأدوات لوقف هذا التطبيع معه".
واستدرك بعاج قائلا: "بل إن واشنطن لديها أدوات ضغط سياسية مباشرة مثل التعبير عن الانزعاج من الخطوة أو إرسال رسائل تؤكد عدم رضاها عن التطبيع مع النظام".
ومضى يقول: "وهذا جرى في أكثر من مرحلة سابقا على الرغم من أن أميركا لا تغلق الباب بشكل كامل بل تترك المساحة للدول الإقليمية لأن تتحرك باتجاه النظام لتفعيل مبادرات لمحاولة جره للتعاون مع المسار السياسي".
وأشار بعاج إلى أنه "عندما تجد الولايات المتحدة أن هناك اتجاهات غير مقبولة من طرفها تجاه التطبيع مع النظام السوري، فإنها يمكنها الضغط السياسي لوقفه كما حدث مع بعض دول الخليج قبل عامين".
وذهب الدبلوماسي السابق للقول إن "السلاح الأهم لدى واشنطن هو إعطاء حوافز لحلفائها مقابل عدم التطبيع مع النظام السوري، وهذا ما يتجلى من خلال زيارة وزير الخارجية التركي إلى واشنطن (17 يناير) والتي من المتوقع أن تطرح فيها واشنطن عدة خيارات قد تساعد أنقرة على عدم التطبيع بشكل كامل مع الأسد".
الجدار الفاصل
من جانبه، يؤكد الباحث السوري، مدير موقع "اقتصادي" المعارض، يونس الكريم، أن "قانون قيصر من خلال بنوده الواضحة يمكن أن يعرقل عملية التطبيع مع نظام الأسد في بعض النقاط، وفي جوانب أخرى يجعل محاولة الالتفاف على عملية التطبيع مسألة بالغة الكلفة".
وأضاف لـ"الاستقلال" أن "بنود قانون قيصر تمنع التواصل مع النظام السوري وحكومته وحتى بشار الأسد رأس النظام المعاقب رسميا بالقانون، ويعد أي تعاون مع هؤلاء اقتصاديا وماليا وتكنولوجيا خرقا للقانون".
ولفت الكريم إلى أن "التطبيع يصبح واقعا في حال جرى تقديم خدمات مادية واقتصادية وتكنولوجية للنظام السوري، بينما تعفى ما تقدمه المنظمات الدولية والأممية من خدمات حصرا للمدنيين القاطنين في مناطق النظام على أن لا تتجاوز الكتلة المالية نصف مليون دولار".
واستدرك قائلا: "لكن مع ذلك فإن النظام السوري مكون من كتلتين الأولى هي حكومته، والثانية هي القصر الجمهوري الذي يتحكم ويدير الأمور الاقتصادية في سوريا".
وألمح إلى أن "ما تقوم به الولايات المتحدة راهنا هو مراقبة الحركات المالية للنظام السوري لكن مع ذلك تعجز واشنطن عن كشف عدم تورط الدول التي تتواصل مع النظام سياسيا في مساعدته مثل الإمارات وسلطنة عمان، اللتين يستخدمهما النظام السوري كمنصة اقتصادية لإدارة أمواله أو عبر حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة".
وهذا يعود، وفق الكريم، لضعف إستراتيجية الخارجية الأميركية وضعف المعارضة السورية في الاعتماد على لوبيات الدعم التي من شأنها تسليط الضوء على القضية السورية ودفع الكونغرس لاتخاذ إجراءات أكثر حدة ومراقبة.
وذهب للقول: "قانون قيصر يعد الجدار الفاصل ما بين عودة النظام السوري إلى التعويم السياسي الدولي، وهذا ما لوحظ من خلال محاولة صندوق النقد الدولي والخارجية الأميركية لتعويم النظام عبر تفعيل خط الغاز العربي المار من سوريا لمد لبنان بالطاقة من مصر عبر الأردن".
ومضى يقول: "لذلك تمتلك الولايات المتحدة أدوات المراقبة الحقيقة للأموال من خلال حركة الأموال في الإمارات على سبيل المثال، ومراقبة المساعدات المالية ومآلاتها للمؤسسات التابعة للنظام، وكذلك مراقبة رجال الأعمال التابعين له سواء داخل أو خارج سوريا من أجل تضييق الخناق على النظام".
فضلا عن أن "إعادة تفعيل قانون قيصر من جديد عبر دعمه معنويا لمنع تعويم النظام السوري، وذلك في خطوة مشابهة لما اتخذ بحق النظام العراقي السابق حيث كان التعامل مع صدام حسين كتهمة سياسية دولية، وبالتالي انطلاقا من الإثباتات التي تصنف بشار الأسد كمجرم حرب وهذا من شأنه أن يكون رادعا للتطبيع معه"، وفق الباحث.
ولذلك فإنه بالمحصلة أمام النظام السوري، حواجز كثيرة قبل أن تقرر الولايات المتحدة رفع العقوبات المفروضة بموجب قانون قيصر.