حاول تعطيل مسار الثورة.. لهذا يدعم السيسي عسكر السودان

أحمد يحيى | منذ ٦ أعوام

12

طباعة

مشاركة

منذ عزل الرئيس السوداني عمر البشير عن السلطة، وتشكيل مجلس عسكري لإدارة شؤون البلاد، ظهر التشابه واضحاً بين سياسات المجلس ونظيره في مصر متمثلاً بالجيش الذي يحكم البلاد بالحديد والنار.

وواجهت الثورة في السودان تحديات بالغة القسوة داخلياً، لكن كان عليها أن تواجه خطراً أكبر خارجياً، مُمثلاً في محور إقليمي شرس، تتزعمه قوى الجوار، على رأسها مصر، القابعة تحت حكم عسكري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي وضع نُصب عينيه الحراك السوداني.

وتحدثت تقارير مؤخراً عن تورّط فجٍّ من قِبل نظام القاهرة في المستجدات السودانية، لا سيما أن النموذج المصري في وأد الثورات، وتمكين العسكر، غدا مضرباً للأمثال، ومحلُّ تخوفٍ لدى القوى والأحزاب في الخرطوم. 

ويُعد السودان بمثابة الحديقة الخلفية لمصر، وامتداد بالغ الأهمية لأمنها القومي، وعمقها الإستراتيجي، وزادت أهميته بعد أن عبَر من ثورة أطاحت بنظام حكم البشير الذي ظل مهيمناً على البلد مدة 30 سنة، في خضم مع محاولات من حكومات مصر، والإمارات، والسعودية استباق الثورة ومحاولة وقف ديمقراطية وليدة قد تُغير الكثير من المعادلات في المنطقة.

حملة مصرية 

في 6 سبتمبر/ أيلول الجاري، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية تقريراً لمراسليها ديكلان وولش وندى رشوان، يتحدثان فيه عن حملة ترويج واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، نفذتها شركة مصرية غير معروفة لدعم الحكام العسكريين في السودان.

وأشار التقرير إلى أن "الشركة التي يملكها ويديرها ضابط مصري سابق يُدعى عمرو حسين، ويقدم نفسه على أنه خبير في (حروب الإنترنت)، دفعت لكل عامل جندته 180 دولاراً في الشهر، لنشر رسائل مؤيدة للنظام العسكري الجديد في السودان، من خلال استخدام أسماء مزيفة على صفحات فيسبوك وتويتر وإنستغرام وتلغرام". 

وذكر الكاتبان أن "الشركة المتخصصة في التسويق الرقمي بدأت بعد أيام من مذبحة الجيش للمتظاهرين السلميين في الخرطوم بنشر ما يطلق عليهم "محاربي لوحة المفاتيح" إلى جبهة ثانية، وهي عملية سرية لمديح الحكام العسكريين السودانيين". 

وكشف التقرير أن "الجهد المصري لدعم الحكام العسكريين في السودان هذا الصيف جاء من خلال شركة في القاهرة اسمها (نيو ويفز/ الأمواج الجديدة)، وهي جزء من حملة واسعة طالت أشخاصاً في تسع دول شرق أوسطية وفي شمال إفريقيا"، بحسب فيسبوك التي فضحت تلك العملية في 1 أغسطس/آب 2019 عندما أعلنت أنها أغلقت مئات الحسابات التي تديرها شركة (نيو ويفز)، وشركة إماراتية لها اسم يشبه الشركة المصرية.

ولفت التقرير إلى أن "الحملات السرية أصبحت الوسيلة المفضلة للأنظمة القمعية، مثل الصين وروسيا، التي تعمل على مدح الحكام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتكمل ما يقومون بعمله في الشارع"، مستدركاً بأن تنسيق هذه الحملات في الشرق الأوسط يتم عبر الحدود، من أجل تقوية الحكم الديكتاتوري، ولإطفاء نار أي احتجاج شعبي يؤدي إلى ظهور ما يشبه الربيع العربي عام 2011. 

وأورد التقرير، أن "عمرو حسين من أشد الداعمين للحاكم الديكتاتوري المصري عبد الفتاح السيسي، ودعم بشكل علني إجراءات السيسي لوضع قيود على الحرية على الإنترنت، وتعمل شركته من مشروع يملكه الجيش في شرق القاهرة، وكان قد حذر موظفيه من عدم التحدث مع الناس الغرباء حول عملهم".

وأكد تقرير الصحيفة الأمريكية أن "الناشطين السودانيين، الذين لاحظوا زيادة في المنشورات المؤيدة للنظام العسكري على منابر التواصل، لم يستغربوا الحملة".

وذكر الكاتبان نقلاً عن "فيسبوك"، قولها إن "الشركتين المصرية والإماراتية عملتا معاً من أجل إدارة 361 حساباً إلكترونياً، كانت تصل إلى 13.7 مليون شخص، وأنفقتا 167 ألف دولار لتروجا لهويات مزيفة، من أجل التغطية على عملهما الحقيقي".

دعم العسكر

وقال تقرير "نيويورك تايمز" إن "مصر والسعودية والإمارات هي الدول الداعمة للحكم العسكري في السودان بعد خروج البشير"، وكانت الدولتان الخليجيتان تعهّدتا بدفع ثلاثة مليارات دولار كمساعدات، أما مصر فتعهدت بتقديم الدعم الدبلوماسي. 

واستدرك الكاتبان أن "محاولة التلاعب بالفضاء الإلكتروني السوداني الحي كانت عصية على التحكم، فقد استخدم المتظاهرون منذ بداية احتجاجاتهم، في ديسمبر/ كانون الأول 2018، وسائل التواصل للتنظيم والتجميع والتعبئة، وتحايلوا على الرقابة الحكومية من أجل بناء دعم دولي لهم، مشيرين إلى أن أول شيء عمله المجلس العسكري الانتقالي بعد مذبحة الخرطوم هو إغلاق الإنترنت، ثم تحوّل نحو وسائل التواصل لتلطيف صورته. 

وذكرت الصحيفة أن "هناك حسابات تعود لنائب رئيس المجلس الانتقالي محمد حمدان دقلو وقوات الدعم السريع، نشرت صوره وهو يطبخ الطعام، ويتحدث أمام الجماهير، ويلتقي مع المدرسين"، مشيرة إلى أن الناشطين السودانيين رفعوا عريضة قدموها إلى "فيسبوك"، قالوا فيها إنها تعطي مساحة لمجرمي الحرب، ورفضت الشركة التحرك لأن قوات الدعم السريع أصبحت لاعباً في الدولة، وبات دقلو رمزاً مهماً في المرحلة الانتقالية. 

وقال الكاتبان: إن "حملة نيو ويفز ذكرت بما تقوم به الدولة المصرية للسيطرة على الإنترنت، فتم حجب 500 موقع أو يزيد، وأصدر نظام السيسي قوانين تُجرّم أي نقد للحكومة على وسائل التواصل، التي وصفها بأنها تُهدد الأمن القومي".

تحية عسكرية

نالت زيارة رئيس المجلس العسكري السوداني عبد الفتاح البرهان إلى مصر في 26 مايو/آيار 2019، حيزاً واسعاً من اهتمام قوى الحرية والتغيير التي قادت الثورة السودانية، ونجحت على أثر هبة شعبية في إزاحة الرئيس عمر البشير عن الحكم، وكان مبعث القلق نابعاً من التخوف من دور مصر في وأد ثورتهم الوليدة. 

لذلك، كانت الانطباعات على صورة البرهان وهو يؤدي التحية العسكرية لرئيس النظام المصري عبد الفتاح السيسي عند استقباله في قصر الاتحادية بالقاهرة، مثيرة للجدل، وأثارت غضباً جماهيرياً عارماً إذ قرأوا فيها دليلاً على "الانكسار والتبعية"، خاصة وأن زيارة البرهان إلى القاهرة كانت الأولى له خارج السودان، بعدما تقلد منصب رئيس المجلس العسكري السوداني. 

ولا يكُفّ السودانيون عن عقد مقارنات بين تجربتهم والتجربة المصرية، ويذهب بعضهم إلى حد المقارنة بين بدايات البرهان والسيسي، في الوقت الذي يتخوفون فيه من تشابه النهايات، وإحكام العسكر سيطرتهم على البلاد كما فعلوا في جارتهم الشمالية، وذلك على الرغم من التوصل إلى اتفاق قد يُزيل تخوّفات سيطرة العسكر.

وأنهى الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين المجلس العسكري وتحالف قوى الحرية والتغيير في الرابع من أغسطس/آب الماضي، نحو ثمانية أشهر من الاضطرابات بدأت بمظاهرات حاشدة ضد الرئيس عمر البشير. وأطاح الجيش بالبشير تحت ضغط الشارع في أبريل/نيسان، بعد 30 عاماً من حكم السودان بقبضة من حديد.

ومن شأن الاتفاق أن يُمهد لبدء مرحلة انتقالية تؤدي إلى حكم مدني في البلاد، وجرى الاتفاق على تعيين المسؤول السابق في الأمم المتحدة عبد الله حمدوك، وهو خبير اقتصادي مخضرم، رئيساً للوزراء.

"حدودك أسوان"

"السيسي ده (هذا) السودان، إنت حدودك بس (فقط) أسوان"، هتافات جهر بها السودانيون بعد يومين، من ترأس السيسي، قمة تشاورية إفريقية بشأن السودان، استضافتها القاهرة في 23 أبريل/ نيسان 2019. 

وقال السيسي خلال القمة التشاورية للشركاء الإقليميين: إن "أهمية العمل على وضع تصور مشترك لتحقيق الاستقرار في السودان، بما يضمن الملكية الكاملة للشعب السوداني لبلورة العملية السياسية بالبلاد، ويحافظ على مؤسسات الدولة"، منوها في هذا الصدد إلى "ضرورة قيام الزعماء الأفارقة بتبني موقف موحد لمساعدة الشعب السوداني الشقيق خلال الظرف الراهن عن طريق إيصال رسالة إلى العالم تؤكد ملكية دول القارة لوسائل حل النزاعات والخلافات بها بعيداً عن التدخلات الخارجية".

وأضاف رئيس النظام المصري، أنه "في ظل حساسية الحدث التاريخي في السودان، وأهمية تحديد المسار السياسي ومواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية على الساحة السودانية، فإنه يتعيّن على المجتمع الدولي إبداء التفهم وتقديم الدعم والمساندة، للمساهمة في تهيئة المناخ المناسب للتحول الديمقراطي السلمي الذي ينشده الشعب السوداني".

وجاءت تلك التصريحات في ظل مخاوف سودانية، من تدخل مصري رئاسي، يُعطل مسار ثورتهم، التي أطاحت بالرئيس عمر البشير. وزادت المخاوف مع تحرك سريع من السيسي الذي تترأس بلاده الاتحاد الإفريقي منذ فبراير/ شباط 2019، لدعوة قمة إفريقية بشأن السودان، انتهت إلى منح المجلس العسكري في السودان المزيد من الوقت لتنفيذ إجراءات الانتقال الديمقراطي بمساعدة الاتحاد الإفريقي.

غير أن التوجّس من تكرار سيناريو ثورة 25 يناير المصرية، التي التف عليها العسكر، خيّم على الحراك في السودان، منذ أن رفعوا لافتات، "النصر أو مصر"، في إشارة لتجربة تولي مجلس عسكري رئاسة البلاد في مصر عقب الثورة التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك.